عامٌ جاء، وأعوامٌ رحلت. وإمارتي أفراحٌ وسلامٌ وحب. فألفُ تهنئةٍ بعامٍ نرتقي فيه إلى ما ليس يدركه من يستكين إلى يأسه، ولا يخطو أبعدَ من ظلّه.
فيا أيّها العام الجديد، يا أيّها الضوء على هذه البلاد المتفرّدة في خصبها ورقيّها وتطوّرها، كأنها شمسٌ تضيء لنا طرقات الحياة. فليس شعاعُ البدر ما يضيئنا، وليس ضياءُ الفجر ما ينيرنا، بل هو الوطن الذي كأنه جوهرة الوجود، التي حين تنسلّ إلى أعماقنا نُبصر حتى في اشتداد العتمة ووحشة النفس. وحين ننأى عنها نفقد الأبصار والبصيرة، رغم سطوع الشمس، لأننا كنّا وما زلنا غرسَها السخيّ. وبنورها نرتفع إلى أعمدة الفضاء، وفي خطاها على دروب الحياة تخصب الحقول وتنثر البهاء، كأنها الربيع الذي تنتظره الأزهار والثمار.
لعلّ كلَّ من يجيء إليها يرى الطريق مشرقاً يقوده إلى رحابة الإمارات، حين تضيء كالشعاع، كالقنديل في متاهة الغريب. فيا أيّها العام المخبّأ في الغموض، هل ستأتي مجلّلًا بالمحبّة والسلام، حتى نشرع نوافذ القلب لك، ونصلّي كي تمرّ علينا مليئاً بالآمال والأمنيات؟ كنْ نأمةَ الوردة حين تعانق الندى، كنْ نَقْرَةَ الطيور مطمئنّةً تدرج في رحاب وطني الكبير، كبياض الفلّ حين ينثر عطره سخياً في رحاب البيوت.
لقد رأيتُ السنين تمرّ عليّ سراعاً، ورأيتُ السواد ينشر أجنحة الحزن قبل وصول المنايا واكتمال الوعد. إذن، ما الذي سوف تأتي به، وتُحيل الظلام الذي تكتسي به دولٌ لا ترى غير عتمة السنين التي طوّحتها، ولم يرتجِ الجائعون فيها مددًا؟
فتأنَّ أيّها العام الجديد، تأنَّ قبل أن تطرق أعتاب داري، لأنثر فوق التراب نشيدَ البذار، وأهمس للسحب: هيا اهطلي يا نشيج البحار، وأنسج ظلَّ الضحى من ضياء النهار. أو لتأتِ قبل يومين، فأنا منتظرة قدومك لأنقشه على صفحات الوجود، وما يشتهيه انتظاري.
فلي نعمةُ الحدس حين يشفّ، أرى ما وراء الغيوب، ولي من وضوح البصيرة ما يُنبئ به القلب الذي ينتظر ضياء الوعود. فلي ملءُ حقل بيتي نضارُ الغصون، ولي كلُّ ما تشتهي النفس، سأقرأ نشيد الحب لوطني الغالي، وأبتهج كالورد في عطره إذا مسّ سحرُ الضحى خلايا الغصون. ولي الأبجدية، وكنز القصيدة إذا ندهت، قلتُ: سأَنقشك في خفايا المعاني!


